ابو البركات

45

الكتاب المعتبر في الحكمة

قالوا ولو كان هو الفضاء أو كان مالئا للفضاء لما أمكن ان يتحرك ولبطل هبوب الرياح كالماء الذي يملأ القارورة حتى لا يبقى فيها فضاء فإنه لا يتحرك فيها وإذا لم يملأها بل بقي فيها فضاء تحرك وتموج فيها لكن الهواء يهب ويتحرك بالرياح فحركته إذا في خلاء ويشترك الفضاء الخالي والهواء المتحرك الساكن عند ابصارنا في المرئى وكونهما لا يحجبان ما وراءهما من المرئيات عن الابصار ويختلفان عند حاسة اللمس فان الهواء مما تدركه حاسة اللمس بممانعة ما وحركة وتحريك وبرد وحر والفضاء لا تدركه كذلك وتدلك حاسة لمسنا فنفرق في تصورنا وأذهاننا بين الخلاء والهواء وكيف لا والازقاق المنفوخة نجد فيها صلابة شديدة بانحصار الهواء فيها وتحركها من قعر الماء العميق إلى سطحه طالبة لذلك السطح طافية على الماء بقوة قوية مقاومة لكبير « 1 » من الأثقال المرسية لها مما يحمل عليها فقد عرفنا الهواء وميزناه عن الفضاء الخالي لحس لمسنا وان لم ندركه بالبصر ثم تأملوا فوجدوا بطون الأواني الخالية مملوءة في خلوها بهذا الهواء وانما يدخلها الماء وغيره بخروج هذا الهواء منها وما لم يخرج لا يدخلها داخل ونشعر بذلك من أنه إذا ملأ الماء الداخل أبوابها يزاحمه الهواء خارجا فسمع صوته في مصادمته وخرقه للماء خصوصا في الأواني الضيقة الرؤوس وإذا ضاقت الرؤوس إلى حد ما لا يدخلها « 2 » الماء المصبوب فيها فان حطت إلى وسط الماء رأيت ذلك الهواء يخرج منها بنفاخات كبار وصغار على قدر سعة رءوسها ونسمع له صوتا وبقبقة ويتبين ذلك بأواني تسمى سراقات يجعل للاناء منها رأس يدخل منه الماء وثقب ضيق أو اثقاب في أسفله ثم يملأه بالماء ويسد رأسه ويعلق في الهواء تعليقا مستويا لا ميل فيه حتى يصير ثقل الماء على الثقب أو الأثقاب السفلى فلا يقدر الهواء على خرق الماء صاعدا في ذلك الثقب أو الأثقاب التي في أسفله فلا يخرج الماء منها حتى يفتح رأسه وهو على وضعه ذلك فيخرج حينئذ الماء من الأثقاب السفلى بفتح الثقب الاعلى وقد كان مع سد رأس الاعلى

--> ( 1 ) سع - لكثير ( 2 ) صف - ما يدخلها .